رجالات

السيرة العلمية للمرجع الديني الأعلى (دام ظله)

عُرف السيد السيستاني (دام ظله) منذ طفولته بحبه للعلم والمعرفة، وتميّز برغبته الكبيرة في قضاء معظم أوقاته مختليا بالكتب والقراءة، لا يُعنى ولا يهتم بالأسفار الترفيهية ولا العلائق والارتباطات الاجتماعية، التي تستهلك الوقت، وتؤثر في الدراسة والتدريس، وتزاحم اشتغالاته المعرفية؛ فهو قليل زيارة المجالس المختلفة، وقليل المزاح، وهمه في أن مجلسه يعمر بالبحث العلمي التحليلي دون شيء آخر، وهذا ما شكل عاملاً مهماً في بناء شخصيته الثقافية، حتى أصبح موسوعة متنوعة المعارف، متعددة الثقافات، ومكتبة متجسدة في شخصه المبارك[1].

ينقل أن السيد السيستاني كان طالبا متميّزا منذ أن بدأ سيرته في طلب العلم، وكما ذُكر سابقا فإنه في مدّة إقامته في مدينة قم قام السيد السيستاني بمراسلة عالم الأهواز الشهير السيد علي البهبهاني (قدس سره)، وحصل تبعا لذلك إعجابا كبيرا من هذا العالم الكبير بنبوغ السيد وعلميته، حتى وصفه بـ (عمدة العلماء المحققين ونخبة الفقهاء المدققين)!

وبعد أن وفد السيد إلى النجف الأشرف وبدأ يحضر في دروس الأعلام كالسيد الخوئي والشيخ حسين الحلي (قدس الله سريهما) برز متفوقا على أقرانه، ولاسيما في درس السيد الخوئي أستاذه الأكبر، فكان ذو قوة في الإشكال وسرعة البديهة وكثرة التحقيق والتتبع ومواصلة النشاط العلمي، وكان كثير الإلمام بالنظريات في مختلف الحقول العلمية الحوزوية، ومما يشهد على ذلك أنه منح من بين زملائه وأقرانه في عام 1380هـ الموافق 1960م من الميلاد، وهو في الحادية والثلاثين من عمره (شهادة الاجتهاد المطلق) من لدن أستاذيه السيد الخوئي (قدّس سرّه) والشيخ الحلي (قدّس سرّه)، ولم يمنح السيد الخوئي شهادة الاجتهاد إلّا لنادرٍ من تلامذته، منهم السيد السيستاني وآية الله الشيخ علي الفلسفي من مشاهير علماء مشهد المقدسة، كذلك لم يمنح الشيخ الحلي إجازة الاجتهاد المطلق لغيره (دام ظلّه)! وقد كتب له أيضاً شيخ محدّثي عصره العلاّمة الشيخ آغا برزك الطهراني (قدّس سرّه) شهادة يطري فيها على مهارته في علمي الرجال والحديث وهي مؤرخة كذلك في عام 1380 هـ.

وكان للعلمين العظيمين: السيد الخوئي والشيخ حسين الحلي  أثر كبير في سيرة السيد السيستاني العلمية، فقد تأثر كثيرا بأستاذه الأكبر السيد الخوئي (قدس سره)، الذي عُرف بمنهجه العلمي الرصين، ونقوده الجريئة في مجال الرواية عن أهل البيت (عليهم السلام) ورجال الحديث، ومن المناسب نقل كلام السيد محمد رضا السيستاني (دام ظله) في بيان منهج الإمام الخوئي وأهميته، إذ قال: "إن في الثامن من شهر صفر، مرت الذكرى السنوية الخامسة والعشرون لرحيل السيد الأستاذ الإمام الخوئي (قدس سره) إلى الرفيق الأعلى وانطفاء تلك الشعلة الوهاجة التي طالما استضاء بنورها رواد الحوزات العلمية. إن من أهم ما تميز به الإمام الخوئي رضوان الله عليه هو منهجه العلمي الرصين في التعامل مع الأخبار المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، والتزامه الصارم بنقدها من حيث مصادرها وأسانيدها ومتونها وعدم التعويل إلا على المعتبر منها من جميع الجهات، وكذلك إبرازه لدور علم الرجال وأهميته الفائقة في استنباط الأحكام الشرعية والوصول إلى المعارف الإسلامية الأصيلة.

إن أهمية ما قام به الإمام الخوئي (قدس سره) تتجلى في هذا المجال بملاحظة المحاولات التي يقوم بها بعضهم في هذه الأيام لإرجاع عجلة الفكر إلى الوراء بالترويج لنمط من الأفكار المبنية على الأخذ بروايات الوضّاعين والضعفاء وما بحكمها مما ورد في المصادر غير المعتبرة وعدّ ذلك كله من علوم الأئمة الطاهرين عليهم السلام والبناء عليه في تحديد معالم مدرستهم الفكرية العظيمة.  

إنّ التمسك بمنهج الإمام الخوئي (أعلى الله مقامه) في نقد الأحاديث وتمحيصها والتدقيق فيها كفيل بإفشال هذه المحاولات الغريبة التي لو قُدِر لها شيء من النجاح فإنّها ستؤثر سلباً على المسيرة الفكرية لأتباع أئمة أهل البيت عليهم السلام ولن يحدث ذلك إن شاء الله تعإلى. لقد مضى على فراق السيد الأستاذ الإمام الخوئي (قدس سره) ربع قرن من الزمن، وما زلت أتذكّره بهيأته وهيبته، بهيأته وهو يرقى منبر التدريس فيُبهر الحضور ببيانه الجميل ومنطقه المحكم، وبهيبته وهي هيبة العلم والتقوى والمرجعية العليا التي تبوأها عن جدارة مطلقة، ما زلت أتذكر عنايته ورعايته لطلابه حتى الأحداث منهم من أمثالي على الرغم من عِظم شأنه وكِبر سنِّه وتكاثر الهموم على قلبه الشريف في ظِل النظام الجائر السابق، ما زلتُ أتذكّر كل ذلك فأتواضع لمقامه وأخشع لجلاله. وأسأل الله تبارك وتعإلى أن يرفع درجته في عليين ويلحقه بآبائه الطيبين الطاهرين ويجزيه عن العلم وأهله أفضل جزاء المحسنين"[2].

 أما الشيخ حسين الحلي (قدس سره) فهو الأستاذ الثاني بعد الإمام الخوئي أثر في سيرة السيد السيستاني العلمية، ولبيان أهميته العلمية نذكر ما قاله فيه بعض الأعلام، إذ نقل آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم قدس سره عن آية الله الشيخ علي النائيني أن والده المحقق النائيني كان يرى الشيخ حسين الحلي أفضل تلامذته. كما نقل آية الله السيد حسين الشمس الخراساني دام ظله أن أحد الطلاب في مشهد أراد الهجرة إلى النجف الأشرف فاستشار المرجع الكبير آية الله العظمى السيد الميلاني قدس سره عن حضوره عند أساتذة النجف الأشرف، فما أشار عليه إلا باثنين وهما السيد الخوئي والشيخ حسين الحلي. وقال فيه الحجة المتتبع الشيخ آغا بزرك الطهراني: وقد عرف بالتحقيق، والتبحُّر، والتُّقى، والعِفَّة، وشرف النفس، وحُسن الأخلاق، وكثرة التواضع، وهو من الذين يخدمون العلم للعلم، ولم يطلب الرياسة، ولم يتهالك في سبيل الدنيا، وهو من أجل ذلك محبوب مقدَّر بين الجميع.[3]

وفي عام 1381ه – 1961م قام السيد السيستاني (دام ظله) بإلقاء محاضراته (البحث الخارج) في الفقه في ضوء مكاسب الشيخ الأعظم الأنصاري، وأعقبه بشرح العروة الوثقى، فتمّ له منه شرح كتاب الطهارة وأكثر كتاب الصلاة وقسم من كتاب الخمس وتمام كتاب الصوم والاعتكاف ثم شرع في شرح كتاب الزكاة.

وكانت له محاضرات فقهية أخرى خلال هذه السنوات تناولت كتاب القضاء وابحاث الربا وقاعدة الإلزام وقاعدة التقية وغيرهما من القواعد الفقهية، كذلك كانت له محاضرات رجالية شملت حجية مراسيل ابن ابي عمير وشرح مشيخة التهذيبين وغيرهما.