لم تتعرض المرجعية الدينية في تاريخها وحوزتها العلمية منذ تحولها من بغداد الى النجف الأشرف عام ٤٤٩ للهجرة (١٠٥٧م)، على يد شيخ الطائفة الإمام الطوسي (قده)، الى ظرف قاهر مشابه، كالذي مرت به خلال مرجعية الإمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (قده). فلقد تزامنت مرجعية الإمام السيد الخوئي مع تسلم البعث البائد الحكم في العراق. لقد جعل هذا النظام من الشيعة والمؤسسات الشيعية هدفاً لطغيانه وإرهابه، خصوصاً بعد نجاح الثورة الاسلامية في ايران، والتي اعتبرها النظام البعثي خطراً مباشراً عليه.
لذلك، وفي ظل تلك الظروف الصعبة بدا أن مهمة المرجع الأعلى الإمام الخوئي، تكاد تنحصر في المحافظة على دور الحوزة واستقلالها، لمتابعة مهامها العلمية والفقهية، واستمرار الدور التاريخي لمدينة النجف الأشرف، التي تضم مرقد أمير المؤمنين الإمام علي بن ابي طالب (ع) في المقابل حاولت السلطة العراقية وبمختلف الطرق جذب المرجعية الى جانبها في مواقفها السياسية الظالمة، خصوصاً في حروبها الظالمة تجاه جيران العراق، كايران والكويت. وكانت المحاولة الاولى في هذا المجال، مطالبة السلطات العراقية الإمام الخوئي بإصدار فتوى ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية. وعندما رفض الإمام الخوئي ذلك، كشرت السلطات العراقية عن أنيابها صراحة وكان أول ردودها الاجرامية الغاضبة، الاعتداء على منزل نجله الاكبر المغفور له السيد جمال الدين في محاولة لقتله عام ١٩٧٩م، حيث اضطر على اثرها الى مغادرة العراق الى سوريا حتى توفي بعدها في ايران عام ١٩٨٤م.
تتالت بعد ذلك ممارسات النظام العراقي، فقامت السلطات باعتقال مجموعات كبيرة من رجال الدين وتلامذة الإمام في الحوزة العلمية واعدمت الكثيرين منهم، وفي مقدمتهم تلميذ الإمام وابنه البار الشهيد السيد محمد باقر الصدر في نيسان ١٩٨٠م. وفي العام ذاته قامت السلطات بتفجير سيارة الإمام الخاصة وهو في طريقه الى جامع الخضراء لاداء صلاة الظهر، وقد نجا الإمام من تلك الحادثة بأعجوبة بالغة. بعد ذلك قامت السلطات العراقية في عام ١٩٨٢م باعدام معاون الإمام الخاص آية الله السيد محمد تقي الجلالي. كذلك أقدمت في العام ١٩٨٥م على اغتيال صهر الإمام سماحة آية الله السيد نصر الله المستنبط، بواسطة زرقه بابرة سامة، كما اعتقل نجل الإمام السيد ابراهيم، وصهر الإمام السيد محمود الميلاني، وأكثر من مائة من افراد اسرته ومعاونيه من العلماء الافاضل، وتم اعدام البعض منهم، فيما بقي مصير الاخرين مجهولا حتى سقوط النظام، اذ لم يعرف مصيرهم ولم يتم العثور على رفاتهم أو قبورهم. اضافة الى ذلك اعتقلت السلطات العراقية عددا كبيرا من السادة والعلماء، منهم آية الله الشيخ محمد تقي الجواهري، وآية الله الشيخ علي اكبر هاشميان، وآية الله الشيخ احمد الانصاري، وعددا كبيرا من السادة آل الحكيم وآل بحر العلوم و آل الخلخالي وغيرهم من الأُسر العلمية والأفاضل من أساتذة وطلبة الحوزة العلمية، وقامت باعدامهم وتصفيتهم جسديا.
وكان آخر الأعمال الاجرامية بحق الإمام بعد وفاته، غلق أبواب مسجده "جامع الخضراء" ومقبرته، أمام المصلين والزائرين، واغتيال نجله العلامة الشهيد السيد محمد تقي الخوئي، الأمين العام الاول لمؤسسة الإمام الخوئي الخيرية بحادث سير مدبر على طريق كربلاء ـ النجف في ليلة الجمعة ٢١ صفر ١٤١٥هـ المصادف ٢٢/٧/١٩٩٤م.
الخوئي: السيرة العلمية
ولد الإمام الخوئي في ليلة النصف من شهر رجب سنة ١٣١٧هـ الموافق ١٩/١١/١٨٩٩م، في مدينة خوي من اقليم آذربيجان، وقد التحق بوالده العلامة المغفور له آية الله السيد علي اكبر الموسوي الخوئي الذي كان قد هاجر قبله الى النجف الأشرف، وحيث كانت المعاهد العلمية في النجف الأشرف هي الجامعة الدينية الكبرى التي تغذي العالم الاسلامي كله وترفده بالآلاف من رواد العلم والفضيلة على المذهب الإمامي، فقد انضم سماحته وهو ابن الثالثة عشرة الى تلك المعاهد، وبدأ بدراسة علوم العربية والمنطق والاصول والفقه والتفسير والحديث.
درس الإمام الخوئي (قده) على يد مجموعة من أكابر علماء الفقه والاصول، ومراجع الدين العظام في بحوث الخارج، ومن أشهر أساتذته البارزين كل من آية الله الشيخ فتح الله المعروف بشيخ الشريعة (المتوفي سنة ١٣٣٩هـ)، وآية الله الشيخ مهدي المازندراني (المتوفى سنة ١٣٢٤هـ)، وآية الله الشيخ ضياء الدين العراقي (١٢٧٨ ـ ١٣١٦هـ)، آية الله الشيخ محمد حسين الغروي (١٢٦٩ ـ ١٣١٦هـ)، آية الله الشيخ محمد حسين النائيني (١٢٧٣ ـ ١٣٥٥هـ) والذي كان آخر أساتذته.
كما حضر (قده)، ولفترات محددة عند كل من آية الله السيد حسين البادكوبه اي (١٢٩٣ ـ ١٣٥٨هـ) الذي درس على يديه الحكمة والفلسفة، وآية الله الشيخ محمد جواد البلاغي (١٢٨٢ ـ ١٣٥٢هـ) الذي تلقى على يديه دروس علم الكلام والتفسير. وأخيرا آية الله السيد ميرزا علي آقا القاضي (١٢٨٥ ـ ١٣٦٦هـ)، في الاخلاق والسير والسلوك والعرفان.
وقد نال درجة الاجتهاد في فترة مبكرة من عمره الشريف، وشغل منبر الدرس لفترة تمتد الى أكثر من سبعين عاماً، ولذا لقب بـ "أستاذ العلماء والمجتهدين". وله إجازة في الحديث يرويها عن شيـخه النائيني عن طريق خاتمة المحدثين النوري، المذكور في آخر كتاب "مستدرك الوسائل" لكتب الإمامية، وأهمها الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار، ووسائل الشيعة، وبحار الانوار، والوافي. كما وله إجازة بالرواية عن طرق العامة، عن العلامة الشهير السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي (قده) (المتوفى سنة ١٣٧٧هـ).
مؤلفاته
يعد الإمام الخوئي من العلماء غزيري الانتاج. فقد ألف عشرات الكتب في شتى الحقول العلمية المختلفة نذكر المطبوع منها: أجود التقريرات في اصول الفقه، والبيان في علم التفسير، ونفحات الاعجاز في علوم القرآن، ومعجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة في علم الرجال في 24 مجلداً، ومنهاج الصالحين في بيان أحكام الفقه، في مجلدين وقد طبع ٢٨ مرة، ومناسك الحج في الفقه، ورسالة في اللباس المشكوك في الفقه، وتوضيح المسائل في بيان أحكام الفقه، وهي الرسالة العملية لمقلديه، وقد طبع أكثر من ثلاثين مرة وبلغات عدة، والمسائل المنتخبة في بيان أحكام الفقه، وهي الرسالة العملية لمقلديه باللغة العربية، وقد طبع أكثر من عشرين مرة، وتكملة منهاج الصالحين في بيان أحكام الفقه، في القضاء والشهادات والحدود والديات والقصاص، ومباني تكملة المنهاج في أسانيد الأحكام الفقهية، في القضاء والشهادات والحدود والديات والقصاص، وتعليقة العروة الوثقى لبيان آرائه الفقهية على كتاب "العروة الوثقى" لفقيه الطائفة المغفور له آية الله العظمى السيد محمد كاظم اليزدي (قده). كما ولا يزال البعض الآخر من مؤلفاته مخطوطاً.
الخوئي: منهاجه العلمي
تدرج الإمام الخوئي في نبوغه طالباً للعلم، فأستاذاً، ثم مجتهداً ومحققاً يعدّ المجتهدين، فما أن التحق في عنفوان شبابه بدروس الخارج وتقرير بحوث أساتذته على زملائه، سرعان ما عقب شيوخه في أروقة العلم، بالتصدي لتدريس بحث الخارج، فانهالت عليه هجرة طالبي العلم من كل مكان، وقلدته المرجعية العليا جميع مسؤولياتها وشؤونها،حتى أصبح زعيمها دون منازع، ومرجعاً أعلى للمسلمين الشيعة، يقلده ملايين المؤمنين من أتباع مذهب الإمامية في مختلف بقاع العالم، وطبعت رسائله العملية لبيان الاحكام الشرعية لمقلديه وبعدة لغات، وتلك بفضل نبوغه وتضلعه في مختلف العلوم الاسلامية، وبلوغه الغاية من التقوى، وألمعيته في إدارة الحوزات، واهتمامه البالغ برفع مستوى العلماء، علمياً ومعيشيا، وفي رعايته للمسلمين عموما. فكان (قده) منذ أيامه الاولى يُعدّ بحق، زعيمها الواعد، حتى أصبح رمزا بارزاً من رموز المرجعية الرشيدة، وعلماً من أعلام الاسلام، يخفق على قمة الحوزات العلمية في كل مكان.
عرف الإمام الخوئي (قده) بمنهج علمي متميز واسلوب خاص به في البحث والتدريس، ذلك انه كان يطرح في أبحاثه الفقهية والاصولية العليا موضوعاً، ويجمع كل ما قيل من الأدلة حوله، ثم يناقشها دليلاً دليلاً، وما أن يوشك الطالب على الوصول الى قناعة خاصة، حتى يعود الإمام فيقيم الادلة القطعية المتقنة على قوة بعض من تلك الادلة وقدرتها على الاستنباط، فيخرج بالنتيجة التي يرتضيها، وقد سلك معه الطالب مسالك بعيدة الغور في الاستدلال والبحث، كما هو شأنه في تأليفاته القيمة، ، ولذا فقد عُرف بعَلَم الاصول والمجدّد.
ولا تقتصر أبحاثه وتحقيقاته على حقلي الاصول والفقه، فهو الفارس المجلّي في علم الرجال أو (الجرح والتعديل) وقد شيّد صرحاً علمياً قويماً لهذا العلم ومدخليته في استنباط المسائل الاسلامية، جمعها في كتابه الشهير "معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة"، كما بذل جهداً كبيراً في التفسير وعلوم القرآن وضعها في مقدمة تفسيره "البيان في تفسير القرآن"، وغيرها من الحقول العلمية.
أستاذ المراجع والمجتهدين
التف حول الإمام الخوئي، طيلة فترة تدريسه، اعداد كبيرة من طلبة العلوم الدينية والاساتذة اللامعين، كانوا ينتمون الى بلدان العالم المختلفة، فكان هناك طلاب من سوريا ولبنان والاحساء والقطيف والبحرين والكويت وايران والباكستان والهند وافغانستان ودول شرق آسيا وافريقيا مضافاً الى الطلبة العراقيين، حيث تتلمذ على يديه عدد كبير من أفاضل العلماء المنتشرين في المراكز والحوزات العلمية الدينية الشيعية في أنحاء العالم، والذين يعدون من أبرز المجتهدين من بعده. ولقد انعكس منهج المدرسة الفكرية الخاصة به في علوم الفقه والتفسير والفلسفة الاسلامية والبلاغة وأصول الفقه والحديث، على الكم الهائل من المراجع العظام الذين تخرجوا من بين يديه. ولعله ليس من المبالغة القول بانه لم يتسن لاي مرجع قبله أن يخرج هذا العدد الكبير من أفاضل المراجع والمجتهدين في العصر الحديث. ومن هؤلاء المراجع والمجتهدين الكبار الاحياء والاموات: المرحوم آية الله السيد علي البهشتي (العراق)، آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (العراق)، آية الله العظمى الشيخ محمد اسحاق الفياض (العراق)، المرحوم آية الله الشيخ ميرزا علي الفلسفي (ايران)، المرحوم آية الله العظمى السيد محمد الروحاني (ايران)، المرحوم آية الله العظمى الشيخ ميرزا جواد التبريزي (ايران)، المرحوم آية الله السيد محمد رضا الخلخالي (العراق)، آية الله الشيخ محمد آصف المحسني (افغانستان)، آية الله السيد علي السيد حسين مكي (سوريا)، آية الله العظمى السيد تقي القمي (ايران)، آية الله العظمى الشيخ حسين وحيد الخراساني (ايران)، المرحوم آية الله السيد محمد حسين فضل الله ( لبنان)، المرحوم آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين (لبنان)، آية الله الشهيد السيد علاء الدين بحر العلوم (العراق)، المرحوم آية الله الشيخ ميرزا علي الغروي (العراق)، المرحوم آية الله الشيخ ميرزا يوسف الايرواني (ايران)، المرحوم آية الله السيد محي الدين الغريفي (البحرين)، آية الله الشهيد السيد عبد الصاحب الحكيم (العراق)، آية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر (العراق) والمرحوم آية الله العظمى السيد أبو القاسم كوكبي (ايران) وغيرهم كثير من السادة العلماء والمشايخ وأفاضل الأساتذة، ممن تتلمذ على الإمام مباشرة أو على تلامذته في جميع الحوزات العلمية الدينية المعروفة.
وقد ترك آية الله العظمى الإمام الخوئي (قده) أبحاثاً قيّمة كثيرة في حقلي الفقه والاصول، وهي الدروس التي كان يلقيها سماحته خلال مدة تزيد على نصف قرن، على عدد كبير من أفاضل العلماء وأساتذة الحوزة العلمية الدينية في النجف الأشرف، من المجتهدين ذوي الاختصاص في الدراسات الدينية العليا، المعروفة بـ "البحث الخارج" فقد ابتدأ (رضوان الله تعالى عليه)، بتدريس بحث الخارج سنة ١٣٥٢ الى ١٤١٠هـ، من دون انقطاع وقد قررت ودوّنت نظرياته الجديدة، وآرائه العلمية القيّمة تلك، في تقريرات كثير من السادة والمشايخ العلماء من تلامذته الافاضل، والتي تعتبر اليوم من أمهات المصادر الفقهية والاصولية الحديثة للباحثين والعلماء، مما لا يستغني منها الاساتذة والطلاب معاً، وعليها يدور رحى البحوث والدروس في هذين الحقلين في جميع الحوزات الدينية المعروفة.