شكّل العراق واحداً من أكثر البلدان تعقيداً من حيث التركيبة الاجتماعية والسياسية والدينية. فهو بلد الحضارات العريقة، وملتقى المدارس الفكرية، وساحة التحولات الكبرى. وفي خضم هذا التعقيد، برزت المرجعية الدينية بوصفها مؤسسة روحية-اجتماعية ذات تأثير عميق في مسار الدولة والمجتمع. ولم تكن المرجعية في العراق يوماً سلطة بديلة عن الدولة، بل كانت ـ في المحطات المفصلية ـ صمام أمان يحفظ كيانها، ويمنع انزلاقها نحو الفوضى أو التفكك.
أولاً: مفهوم المرجعية الدينية في السياق العراقي
المرجعية الدينية في المدرسة الشيعية هي نظام علمي يقوم على الاجتهاد والتقليد، حيث يرجع المؤمنون في شؤونهم الدينية إلى فقيه جامع للشرائط يمتلك الأعلمية والعدالة. وقد تبلور هذا النظام عبر قرون من العمل العلمي في الحوزات، ولا سيما في مدينتي النجف و**كربلاء**.
تمتاز المرجعية في العراق بخصائص مهمة:
الاستقلال المالي عن الدولة.
البعد عن السلطة التنفيذية المباشرة.
التأثير الأخلاقي والاجتماعي الواسع.
الامتداد الشعبي العابر للطوائف في بعض المواقف الوطنية.
هذه الخصائص جعلت المرجعية قوة معنوية لا تُختزل في إطار طائفي ضيق، بل تمتد إلى دور وطني عام.
ثانياً: المرجعية والدولة… علاقة تكامل لا صراع
لم تقم المرجعية الدينية في العراق على مبدأ الحلول محل الدولة، بل على مبدأ حفظ كيانها ومنع انهيارها. فهي ترى أن وجود دولة منظمة ـ مهما كانت التحديات ـ أفضل من الفراغ الذي يقود إلى الفوضى.
في الفكر السياسي الإسلامي الشيعي، الدولة ضرورة لتنظيم حياة الناس، والمرجعية تمثل ضميراً أخلاقياً يوجّه ويحذّر وينصح، دون أن تتحول إلى جهاز إداري مباشر.
ثالثاً: مواقف تاريخية في حفظ الدولة
1. مواجهة الاحتلال وبناء الوعي الوطني
في مطلع القرن العشرين، كان لعلماء الدين دور بارز في دعم المطالبة بالاستقلال بعد الحرب العالمية الأولى. ويُذكر موقف المرجع الكبير محمد تقي الشيرازي الذي دعا العراقيين إلى المطالبة بحقوقهم المشروعة، في سياق الأحداث التي عُرفت بـ ثورة العشرين.
لم يكن الهدف إسقاط فكرة الدولة، بل تأسيس دولة عراقية مستقلة ذات سيادة.
2. مرحلة ما بعد 2003 ومنع الانهيار الشامل
بعد عام 2003، دخل العراق مرحلة اضطراب سياسي وأمني خطير. وفي ظل غياب مؤسسات راسخة، برز دور المرجعية العليا في النجف، ممثلةً بسماحة علي السيستاني، في الدعوة إلى:
كتابة دستور عبر جمعية منتخبة.
المشاركة الشعبية في الانتخابات.
نبذ العنف الطائفي.
احترام التنوع العراقي.
لقد كان التركيز واضحاً على بناء شرعية دستورية تمنع انزلاق البلاد نحو الحكم الفوضوي أو التفردي.
3. فتوى الدفاع الكفائي عام 2014
حين اجتاح تنظيم تنظيم الدولة الإسلامية مدناً عراقية عام 2014 وهدد العاصمة بغداد، واجهت الدولة خطراً وجودياً. في تلك اللحظة المفصلية، صدرت فتوى الجهاد الكفائي التي دعت القادرين إلى الدفاع عن البلاد ضمن إطار الدولة.
كان الهدف المعلن حماية العراق وشعبه ومقدساته، ومنع انهيار المؤسسة الأمنية. وقد أسهمت هذه الفتوى في إعادة التوازن الميداني، ومنحت الدولة فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.
رابعاً: آليات تأثير المرجعية في حفظ الدولة
1. الشرعية الأخلاقية
تمتلك المرجعية رصيداً أخلاقياً يجعل خطابها محل ثقة شريحة واسعة من المجتمع. وهذه الثقة تتحول في الأزمات إلى قوة استقرار.
2. التهدئة ومنع الاحتراب الداخلي
في مراحل الاحتقان الطائفي، كانت بيانات المرجعية تدعو إلى ضبط النفس، وتحريم الاعتداء على الأبرياء، ورفض الانتقام الجماعي.
3. الضغط الإصلاحي
لم تكتف المرجعية بالدعوة إلى المشاركة السياسية، بل طالبت مراراً بالإصلاح ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، مؤكدة أن بقاء الدولة مرتبط بعدالتها ونزاهتها.
4. حماية العملية الديمقراطية
شددت المرجعية على أن التغيير يكون عبر صناديق الاقتراع لا عبر السلاح، وهو موقف ساهم في ترسيخ فكرة التداول السلمي للسلطة.
خامساً: التحديات والانتقادات
من الطبيعي أن يُثار نقاش حول دور المرجعية، خاصة في مجتمع متنوع. بعض التيارات ترى أن تدخلها ـ حتى وإن كان توجيهياً ـ يؤثر في التوازن السياسي. في المقابل، يرى آخرون أن غياب هذا الصوت الأخلاقي كان سيترك فراغاً خطيراً.
الواقع أن المرجعية نفسها أكدت مراراً أنها لا تسعى إلى حكم مباشر، ولا إلى تأسيس دولة دينية بالمعنى الثيوقراطي، بل إلى دعم دولة مدنية عادلة تحترم قيم المجتمع.
سادساً: المرجعية وحفظ وحدة العراق
في بلد متعدد القوميات والطوائف، يصبح الحفاظ على الوحدة الوطنية أولوية قصوى. وقد ركز خطاب المرجعية على:
حماية جميع العراقيين دون تمييز.
احترام حقوق الأقليات.
رفض التقسيم.
تعزيز الهوية الوطنية الجامعة.
هذا الخطاب ساهم في ترسيخ مفهوم أن الدولة ليست ملكاً لفئة دون أخرى، بل إطار جامع للجميع.
سابعاً: بين الدولة والمرجعية… توازن دقيق
إن العلاقة بين المرجعية والدولة في العراق يمكن وصفها بـ"التوازن الدقيق":
المرجعية لا تمارس الحكم التنفيذي.
الدولة لا تخضع لوصاية مباشرة.
لكن في اللحظات الحرجة، يتقاطع المساران في هدف مشترك: حماية الكيان العام.
هذا التوازن حافظ على مساحة من الاستقلالية المتبادلة، ومنع تحول العلاقة إلى صراع مفتوح.
خاتمة: المرجعية كصمام أمان تاريخي
إن دراسة مسار العراق الحديث تُظهر أن المرجعية الدينية لعبت دوراً محورياً في لحظات التحول الكبرى. لم تكن بديلاً عن الدولة، ولم تسعَ إلى مصادرتها، بل عملت ـ في حدود رؤيتها ـ على منع انهيارها وحفظ وحدتها.
يبقى مستقبل هذا الدور مرتبطاً بقدرة الدولة على:
تعزيز مؤسساتها.
تحقيق العدالة ومحاربة الفساد.
الاستجابة لتطلعات الشباب.
فكلما كانت الدولة قوية وعادلة، كان دور المرجعية إرشادياً أكثر منه تدخلياً. أما إذا ضعفت الدولة، فإن صوت المرجعية يعلو بوصفه صوت الضمير الجمعي.
وهكذا، فإن المرجعية الدينية في العراق لم تكن مجرد مؤسسة فقهية، بل كانت ـ في محطات مفصلية ـ عاملاً حاسماً في حفظ الدولة ومنع انهيارها، لتبقى التجربة العراقية نموذجاً فريداً في تفاعل الدين مع السياسة ضمن سياق تاريخي معقد.