أقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) دولته على أساس العدالة بوصفها جوهر الحكم وغاية السلطة، فكان يرى أن قيمة الدولة تقاس بمدى إنصافها للناس لا بقوة سيفها أو اتساع نفوذها. ومنذ توليه الخلافة أعلن أن العدل هو ميزان الحكم، وأنه لا تمييز بين الناس إلا بالحق والالتزام.
اعتمد الإمام علي (عليه السلام) في بناء دولته على سيادة القانون والمساواة بين الرعية، فكان يطبق الأحكام على الجميع دون استثناء، حتى على أقرب الناس إليه. ورفض استغلال المال العام أو توظيف السلطة لمصالح شخصية، مؤكداً أن بيت المال حق للأمة لا يُتصرّف به إلا بالعدل.
كما أولى (عليه السلام) عناية كبيرة باختيار الولاة، فاشترط فيهم الأمانة والكفاءة، وحاسبهم بدقة، وعزل من يثبت تقصيره أو ظلمه. وقد جسّد ذلك بوضوح في عهده لمالك الأشتر، الذي يُعد نموذجاً متقدماً في فلسفة الحكم الرشيد وإدارة الدولة.
ولم تقتصر عدالة الإمام علي (عليه السلام) على الجانب الإداري، بل شملت البعد الاجتماعي، إذ كان قريباً من الفقراء والمستضعفين، يشعر بآلامهم، ويجعل رعايتهم أولوية في سياساته. وبذلك قدّم (عليه السلام) نموذجاً فريداً لدولة تقوم على العدل، والإنسان، والقيم، وما زال هذا النموذج مصدر إلهام لكل مشروع يسعى لبناء دولة عادلة ومستقرة.