قضايا وبناء

الامام المهدي عج

يُعدّ الإيمان بالإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) من أبرز المرتكزات العقائدية في الفكر الإسلامي، ولا سيّما في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، إذ يجسّد هذا الإيمان حالة الأمل الدائم بظهور العدل الإلهي الكامل بعد أن تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً. فالإمام المهدي ليس مجرد شخصية تاريخية أو فكرة مستقبلية، بل هو مشروع إلهي ممتدّ يرتبط بحركة الإنسان، ووعيه، ومسؤوليته في مواجهة الظلم والانحراف.

أولاً: نسب الإمام المهدي وولادته المباركة

الإمام المهدي هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، واسمه محمد بن الحسن العسكري، وأبوه الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وأمّه السيدة نرجس (سلام الله عليها). وُلد الإمام المهدي (عج) في الخامس عشر من شهر شعبان سنة 255هـ في مدينة سامراء، في ظروف سياسية وأمنية شديدة التعقيد، حيث كانت السلطة العباسية تترصّد لقتل الإمام الموعود لما ورد في الروايات من أنه سيكون نهاية لعرش الظالمين.

وقد جاءت ولادته خفية حفظاً له من بطش الحكّام، وكان هذا بحد ذاته دليلاً على العناية الإلهية الخاصة التي أحاطت بالإمام منذ لحظة ولادته.

ثانياً: الغيبة الصغرى والكبرى

مرّت حياة الإمام المهدي (عج) بمرحلتين أساسيتين من الغيبة:

الغيبة الصغرى (260هـ – 329هـ)
وفيها كان الإمام على تواصل مع شيعته من خلال نوّابه الأربعة المعروفين، الذين كانوا حلقة الوصل بينه وبين الأمة، ينقلون الأسئلة والأجوبة والتوجيهات.

الغيبة الكبرى (329هـ – إلى يومنا هذا)
وفيها انقطع الاتصال المباشر بالإمام، وبدأت مرحلة جديدة من المسؤولية على عاتق الأمة، حيث أوكل الإمام (عج) قيادة المجتمع في شؤونه العامة إلى الفقهاء العدول الجامعين للشرائط.

والغيبة ليست غياباً عن الواقع، بل هي غياب عن الأنظار، مع حضور فعّال في رعاية الأمة وحفظ الدين، كما ورد في الروايات الشريفة.

ثالثاً: فلسفة الغيبة وأبعادها التربوية

للغيبة حكم إلهية عميقة، منها:

حفظ الإمام من القتل حتى يحين وقت الظهور.

امتحان الأمة في مدى ثباتها على الحق دون حضور القائد الظاهر.

بناء الوعي والمسؤولية لدى المؤمنين، ليكونوا شركاء في مشروع الإصلاح لا مجرد متلقين.

رفض شرعية الظلم وعدم إعطاء الطغاة فرصة لإضفاء الشرعية على حكمهم من خلال الإمام المعصوم.

رابعاً: علامات الظهور الشريف

وردت في الروايات الشريفة علامات تسبق ظهور الإمام المهدي (عج)، منها ما هو حتمي ومنها ما هو غير حتمي، مثل:

خروج السفياني

النداء السماوي

قتل النفس الزكية

الخسف بالبيداء

وهذه العلامات ليست لإشغال الناس بموعد الظهور، بل لزيادة الوعي والاستعداد الروحي والأخلاقي.

خامساً: أهداف دولة الإمام المهدي (عج)

عند ظهوره، يقيم الإمام المهدي (عج) دولة العدل الإلهي، التي تتميز بعدة أهداف كبرى:

إقامة العدل المطلق في جميع مفاصل الحياة.

نصرة المستضعفين ورفع الظلم عنهم.

إحياء القيم الإنسانية والأخلاقية.

نشر العلم والمعرفة حتى يبلغ الإنسان كماله الممكن.

توحيد البشرية على أساس الحق والعدل، لا القهر والاستبداد.

سادساً: مسؤولية الأمة في زمن الغيبة

الانتظار الحقيقي للإمام المهدي (عج) ليس انتظاراً سلبياً، بل هو:

التزام بالشريعة

إصلاح للنفس والمجتمع

الوقوف بوجه الظلم والانحراف

بناء الوعي الثقافي والديني

تربية الأجيال على حب الإمام والعمل لمشروعه

وقد ورد في الحديث الشريف:

«أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج».

سابعاً: الإمام المهدي (عج) والأمل الإنساني

إن قضية الإمام المهدي لا تخص المسلمين وحدهم، بل تعبّر عن حاجة إنسانية عامة، فكل الشعوب تتطلع إلى عالم يسوده العدل والسلام. ومن هنا، فإن الإمام المهدي (عج) هو رمز عالمي للأمل والخلاص، ورسالة بأن الظلم مهما طال فإن نهايته حتمية.

خاتمة